ابو القاسم عبد الكريم القشيري
24
الرسالة القشيرية
وليس في السماوات العلا ، ولا في الأرضين السفلى مدبر غير اللّه ، وكل ما تصور في وهمك فاللّه بخلاف ذلك . وقال الجنيد : التوحيد : علمك وإقرارك بأن اللّه فرد في أزليته « 1 » لا ثاني معه ولا شئ يفعل فعله . وقال أبو عبد اللّه بن خفيف : الإيمان : تصديق القلوب بما أعلمه الحق من الغيوب « 2 » . وقال أبو العباس السياري « 3 » : عطاؤه على نوعين : كرامة ، واستدراج ، فما أبقاه عليك فهو كرامة ، وما أزاله عنك فهو استدراج فقل : أنا مؤمن إن شاء اللّه تعالى . وأبو العباس السياري كان شيخ وقته . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه اللّه ، يقول : غمز رجل رجل أبى العباس السياري . فقال : تغمز رجلا ما نقلتها قط في معصية اللّه عز وجل ! ! . وقال أبو بكر الواسطي « 4 » : من قال « أنا مؤمن باللّه حقا قيل له : الحقيقة تشير « 5 » إلى إشراف ، واطلاع ، وإحاطة ؛ فمن فقده بطل دعواه فيها . يريد بذلك ما قاله أهل السنة : إن المؤمن الحقيقي : من كان محكوما له بالجنة « 6 » . فمن لم يعلم ذلك من سر حكمة اللّه تعالى « 7 » ، فدعواه : بأنه مؤمن حقا غير صحيحة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت أبا الحسن العنبري يقول : سمعت سهل بن عبد اللّه التستري « 8 » يقول : ينظر إليه ، تعالى ، المؤمنون « 9 » بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية .
--> ( 1 ) منفرد في أزليته ، لأنه كان ولا شئ معه . ( 2 ) أي جزم القلوب وتصديقها بحقية الذي أعلمه الحق لنبيه من الأحكام والشرائع التي كانت تعد قبل البعثة مما غاب عن الخلق ، ولم تعلم إلا بوساطته صلى اللّه عليه وسلم . ( 3 ) ستأتي ترجمته . ( 4 ) هو أبو بكر بن محمد بن موسى الواسطي ؛ عالم كبير من خراسان من كبار اتباع الجنيد توفى بمرو سنة 320 ه . ( 5 ) تشير : تستلزم . والمراد من العبارة أن الإيمان المجرد عن النظر الصحيح المؤدى إلى التصديق بكل ما جاء من عند اللّه لا ينفع وأن من لم يحصل له اعتقاد صحيح مستند إلى نظر قوى بطلت دعواه بأنه مؤمن باللّه حقا . ( 6 ) لاستناده إلى البرهان القوى الذي أوصله إلى الإيمان الحقيقي . ( 7 ) بأن نطق بالإيمان بلسانه مع خلو قلبه عن معانيه فدعواه غير صحيحة ؛ إذ النطق باللسان مع خلو القلب عن معاني الإيمان لا يكفى في الخروج من أسر الجهالات والضلالات . ( 8 ) صوفي ورع ، لقى ذا النون وأخذ عنه الأكابر طبقة بعد طبقة ، توفى بالبصرة سنة 283 . ( 9 ) في الآخرة لقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ .